ابن قيم الجوزية
60
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الباب الثامن عشر في ذكر أعلى درجاتها واسم تلك الدرجة روى مسلم في صحيحه من حديث عمرو بن العاص أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة واحدة صلى اللّه عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللّه وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي » وقال أحمد أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن ليث عن كعب عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا صليتم فسلوا اللّه لي الوسيلة قيل يا رسول اللّه وما الوسيلة ؟ قال أعلى درجة في الجنة لا ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا هو » هكذا الرواية ( أن أكون أنا هو ) ووجهها أن تكون الجملة خبرا عن اسم كان المستتر فيها ولا يكون أنا فصلا ولا توكيدا بل مبتدأ . وفي الصحيحين من حديث جابر قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة » . هكذا لفظ الحديث « مقاما » بالتنكير ليوافق لفظ الآية ولأنه لما تعين وانحصر نوعه في شخصه جرى مجرى المعرفة فوصف بما توصف به المعارف وهذا ألطف من جعل الذي وعدته بدلا فتأمله . وفي المسند من حديث عمارة بن غزية عن موسى بن وردان عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « الوسيلة درجة عند اللّه عز وجل ليس فوقها درجة فسلوا اللّه لي الوسيلة » وذكره ابن أبي الدنيا وقال فيه « درجة في الجنة ليس في الجنة درجة أعلى منها فسلوا اللّه أن يؤتيها على رؤوس الخلائق » وقال أبو نعيم أنبأنا سليمان بن أحمد حدثنا أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال حدثنا عبد اللّه بن عمران العابدي حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قلت : « جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال يا رسول اللّه اللّه إنك لأحب إلي من نفسي وأنك لأحب إلي من أهلي وأحب إلي من ولدي وأني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك ، وإذ ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك ، فلم يرد عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى نزل جبريل بهذه الآية وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ